القاضي التنوخي
30
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
وهو رجل شديد الضنّ بصناعة الكتابة ، غير مسامح لنفسه في العيب بها ، وقد غلط غلطا قبيحا ، لو غلط مثله صغير من الكتّاب لافتضح ، وبطلت صناعته ، وسقط محلَّه ، وذاك إنّه قد صدّر في أول المؤامرة بابا ، ذكر فيه ما وصل من فضل الكيل في غلات عملك ، وأنّك لم تورده ، وألزمك مالا جليلا عنه ، ثم ذكر بعد ذلك ، أنّك اقتطعت من غلَّات المقاسمة ، أشياء أوردها ، وذكر الحجج عليك فيها ، وألزمك مالا جسيما ، هو شطر مال المؤامرة . وقد كان من قانون الحساب ، ورسم الصناعة في مثل هذا ، أن يبتدئ بما ثنّى به من الاقتطاع الواقع في أصول الغلَّات ، ثم يثنّي بذكر فضل الكبا . فإمّا إذا صدّر فضل الكيل ، فقد صحّح لك الأصول ، فإيراده ما اقتطعته من الأصول ، ناقض للفعل الأول ، وهو خطأ قبيح في الكتبة ، مسقط لمحلّ من يعمله . وسبيلك أن تمضي إليه وتخلو به ، وتقول : يا سيدي محلَّك في هذه الصناعة ، لا يقتضي ما قد عملته في هذه [ 114 ط ] المؤامرة ، وقد أخطأت خطأ قبيحا ، وهو كذا وكذا ، وواقفه عليه . وقل له : لا يخلو أمري معك من حالين : إمّا كشفت خطأك للناس ، ففضحتك في الصناعة بما تنكبني به من المال ، وألزمت بعد ذلك ما يبقى في المؤامرة ، وهو يسير . وإمّا تفضلت بإبطال هذه المؤامرة ، وأبطلت عنّي مالها ، وسترت على نفسك خطأك ، وارتفقت مني ، مع هذا ، بما شئت ، وابذل له مرفقا جليلا « 1 » ، فإنّ حذره على صناعته ، وحبّه للمرفق ، سيحمله على
--> « 1 » المرفق : الرشوة .